ابن الأثير

294

الكامل في التاريخ

رآه النّاس ، فقتل ومعه نفر ممّن كان معه ، وأسر طائفة ، وهربت طائفة ، فلحقوا بمعسكرهم وعادوا إلى بلادهم منهزمين لا يقف الأب على ابنه ولا الأخ على أخيه ، وتركوا كلّ ما معهم بحاله ونجوا بنفوسهم . فكان عمر ملك الغور لمّا قتل نحو عشرين سنة ، وكان عادلا حسن السيرة ، فمن عدله وخوفه عاقبة الظلم أنّه حاصر أهل هراة ، فلمّا ملكها أراد عسكره أن ينهبوها ، فنزل على درب المدينة ، وأحضر الأموال والثياب ، فأعطى جميع عسكره منها ، وقال : هذا خير لكم من أن تنهبوا أموال المسلمين وتسخطوا اللَّه تعالى ، فإنّ الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم ، ولمّا قتل عاد الغزّ إلى بلخ ومرو وقد غنموا شيئا كثيرا من العسكر الغوريّ لأن أهله تركوه ونجوا . ذكر انهزام نور الدين محمود من الفرنج في هذه السنة انهزم نور الدين محمود بن زنكي من الفرنج ، تحت حصن الأكراد ، وهي الوقعة المعروفة بالبقيعة ، وسببها أن نور الدين جمع عساكره ودخل بلاد الفرنج ونزل في البقيعة تحت حصن الأكراد ، محاصرا له وعازما على قصد طرابلس ومحاصرتها ، فبينما النّاس يوما في خيامهم ، وسط النهار ، لم يرعهم إلّا ظهور صلبان الفرنج من وراء الجبل الّذي عليه حصن الأكراد ، وذلك أنّ الفرنج اجتمعوا واتّفق رأيهم على كبسة المسلمين نهارا ، فإنّهم يكونون آمنين ، فركبوا من وقتهم ، ولم يتوقّفوا حتى يجمعوا عساكرهم ، وساروا مجدّين ، فلم يشعر بذلك المسلمون إلّا وقد قربوا منهم ، فأرادوا منعهم ، فلم يطيقوا ذلك ، فأرسلوا إلى نور الدين يعرّفونه الحال ، فرهقهم